02 - 01 - 2026

هل تدفع الحكومة إيجارًا لنفسها؟ | استئجار الحكومة لمباني العاصمة الإدارية يثير جدلًا.. أين تذهب الـ 6 مليارات؟

هل تدفع الحكومة إيجارًا لنفسها؟ | استئجار الحكومة لمباني العاصمة الإدارية يثير جدلًا.. أين تذهب الـ 6 مليارات؟

جدل واسع أثاره تصريح خالد عباس، رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية للتنمية العقارية، بعدما كشف في لقائه مع قناة CNN الاقتصادية، عن أن المباني الحكومية في العاصمة الإدارية الجديدة مملوكة للشركة، وأن الحكومة تستأجرها بعقد طويل الأجل يصل إلى 49 عامًا، مقابل 6 مليار جنيه سنويًا.

وفتح التصريح باب تساؤلات مشروعة، من بينها: كيف تستأجر الحكومة مباني من شركة مملوكة للدولة؟ ولماذا بعدما كانت تمتلك مبانيها الخاصة بها في العاصمة القديمة؟ وأين تذهب أموال الإيجار؟ وهل هذا النموذج ناجح اقتصاديًا أم لا؟

من يملك المباني ومن يدفع الإيجار؟

رغم أن شركة العاصمة الإدارية مملوكة لجهات تابعة للدولة، إلا أنها شركة مساهمة مستقلة قانونيًا، لها ميزانية منفصلة لا علاقة لها بالميزانية العامة للدولة، وتُدار وفق منطق استثماري ليس باعتبارها وزارة أو مصلحة حكومية، بمعنى أن الدولة أنشأت شركة، بنت هذه الشركة أصولًا، تستخدم الحكومة هذه الأصول مقابل إيجار.

أين تذهب الـ 6 مليارات جنيه سنويًا؟

وفقًا لمحللين اقتصاديين، تتوزع الإيجارات التي تدفعها الحكومة مقابل استخدام هذه الأصول، إلى عدة مسارات رئيسية، أهمها:

- إيرادات تشغيلية لشركة العاصمة الإدارية، تمثل دخلًا ثابتًا يضمن استدامة المشروع.

- تعويض تكلفة البناء والبنية التحتية لهذه المقرات الحكومية التي تحملتها الشركة، حيث يُعد الإيجار جزءًا من استرداد هذه التكاليف على مدى زمني طويل.

- تمويل استكمال مراحل العاصمة وصيانة المباني وتطوير المرافق.

- أرباح للجهات السيادية المالكة للشركة.

هل هذا النموذج ناجح اقتصاديًا؟

يرى الخبراء أن هذا النموذج ليس خاطئًا في حد ذاته، لكنه ينجح أو يفشل حسب التطبيق، فعوامل نجاحه تكمن في عدة نقاط:

- الإيجار أقل من تكلفة التملك والصيانة لو دفعتها الدولة مباشرة.

- إدارة الشركة بشفافية وحسابات واضحة.

- استخدام المباني بكامل طاقتها ولا تتحول لأصول معطلة.

بينما يفشل النموذج إذا:

- كان الإيجار مبالغًا فيه.

- كانت الجهة التي تحدد سعر الإيجار هي نفسها التي تدفعه.

- غابت الرقابة أو الشفافية.

- لم تنتقل الحكومة بموظفيها فعليًا وتظل المباني فارغة.

نماذج دولية: نجاح وفشل

ماليزيا: بدأت الحكومة الماليزية في بناء مدينة بوتراجايا عام 1996، عبر شركة حكومية طوَّرت المدينة واستأجرت الوزارات المباني منها، كبديل عن مدينة كوالالمبور العاصمة السابقة لماليزيا، وبدأت في نقل جميع الدوائر الحكومية إليها في عام 1999، ونجح النموذج بسبب الانتقال الفعلي للوزارات وكامل الموظفين، والاستخدام الحقيقي للمباني، والإدارة الاقتصادية الواضحة للأصول.

 البرازيل: طبَّقت البرازيل نماذج مشابهة عبر شراكات في النصف الثاني من القرن العشرين، ونجحت بعض المشروعات بينما فشلت أخرى بسبب الفساد وضعف الرقابة.

بريطانيا: استخدمت نموذج الشراكة مع شركات لبناء مدارس ومستشفيات، ثم استأجرتها الحكومة لمدد طويلة، لكن الإيجارات التي كانت أعلى من تكلفة التملك، اضطرت الدولة لدفع أضعاف السعر الحقيقي، مما أدى إلى فشل النموذج وإلغائه رسميًا في عام 2018.

أين تقف مصر من هذا النموذج؟

تمثل العاصمة الإدارية الجديدة أضخم تطبيق لهذا النموذج في المنطقة، ولها نقاط قوة واضحة، منها تخفيف الضغط على الموازنة العامة، وإنشاء أصول حديثة في وقت قصير، ونقل الجهاز الإداري إلى بيئة حديثة أكثر تنظيمًا.

لكن في المقابل تظل هناك تساؤلات مفتوحة: هل قيمة الإيجار عادلة مقارنة بتكلفة البناء؟ هل البيانات المالية للشركة متاحة للرأي العام للاطلاع؟ هل المباني سيتم استغلالها بالكامل؟

في النهاية، يبقى الحكم الحقيقي على نموذج العاصمة الإدارية الجديدة، مرهونًا بالتجربة العملية لا بالتصريحات ولا التحليلات النظرية، فمعيار النجاح سيقاس بمدى الشفافية في الإدارة، وكفاءة استخدام الأصول، والجدوى الاقتصادية على المدى الطويل، وهو ما سيحسم ما إذا كان النموذج أداة تنموية حقيقية، أم عبئًا ماليًا مستمرًا.
----------------------------
تقرير - إيمان جمعة

من صحيفة المشهد الأسبوعية

هل تدفع الحكومة إيجارًا لنفسها؟